"لماذا".. التي تصنعُ كلَّ الحكاية

20 ديسمبر 2025

لماذا أريد أن أحقق شيء هذا العام؟

ليش.. ياعمة

عز: ليش ياعمة لازم نقفل باب المخيم؟

أنا: عشان لا يدخل الحرامي 

عز: ها.. ليش حرامي؟

أنا: لازم.. نحن البيت لازم نسكره ورانا.. نحافظ عليه ونحميه

عز: ليش ياعمة.. ليش الحرامي يجي؟

أنا: لا ان شاء الله ما يجي.. بس احنا لازم نحافظ على المخيم.. لأنه هذا أمانة.. المكان هذا مو حقنا.. جينا لقيناه مسكر.. فتحناه صح.. خلصنا.. نسكره ورانا.. انت تخلي باب بيتكم مفتوح؟

عز: ها.. ليش يجي.. هذا نور!

أنا: إيوا نور.. عشان خلاص جينا الشارع.. كدا خلاص؟

عز: ليش النور هناك.. فوق؟

أنا: النور لازم عشان الطريق الآن ليل.. ولازم يشغلوا لنا اللمبات في الليل عشان نشوف الطريق.. تخيل ما في نور.. كيف "إعجاز" (السائق) راح يسوق؟

عز: ليش.. ليش عمة في نور.. هناك.. 

أنا: فين.. في أي مكان؟ قصدك غير الشارع؟

عز: البيت.. بيت.. ليش النور هناك؟

وهكذا.. لم ينفك يسألني.. وكانت كلُ "ليش" أو "لماذا" تأخذني إلى "لماذا" أخرى. فالذي سبق هو جزءٌ بسيط مُستقطع من حوار سبق وانعقد بيني وبين ابن أخي الحبيب "عز". 

"عز" الذي أكمل قبل أيامٍ قليلة عامهُ الرابع، والذي دوماً وأبداً لا يسأم يسأل عمتُه في كل لقاء عن كل "لماذا" تُخالجُه، بل كلُ "لماذا" ممكنة تخطُر على باله.. حتى تلك الـ "لماذا" التي لا تخطر على بالي!

كنت.. في هذا الحوار، بل كل حوار اخوضُهُ معهُ أحاول ألا أتضجر قدر استطاعتي، لأني رغم حبي الكبير للأسئلة والحوارات كنت لا انفك أسالُ نفسي أثناء أسئلتِه: متى سيتوقف؟ ما الذي يبحث عنه ويريد معرفته؟ ما الـ "لماذا" التي عندها سيتوقف؟ ورغم حواراتي الكثيرة التي اخوضها معه وأكاد لا أُحصيها أو أذكرها، أبقى هذا الحوار منه ومعه في نفسي شيئاً.. قد لا يكون في الأسئلة نفسها حقيقةً.. بل الخيط الذي تراءى لي بعدها، أثناء تأملي في آلية تساؤلاته، وربط كل سؤال بالسؤال الذي يليه، الخيط.. الذي قد يتضح في معنى أكبر مما يبحث عنه السؤال.. في حد ذاته.


أسئلة نهاية العام

اللافت فيما سبق أيضاً، أن هذا الحوار على وجه الخصوص دار معه قبل قرابة السنة، متزامناً مع ديسمبر الماضي على التمام (والذي يُصادف أن يكون شهر ميلاده أيضاً). 

ديسمبر.. ذلك الوقت من السنة الذي يُشَمِّر فيه جمعٌ من الناس عن سواعدهم استعداداً لعام جديد، مُطلقين أسئلة مهمة لأيام سنتِهم المقبلة، أسئلة تتنوع بين: 

  • ماذا وما: كـ ماذا سأُحقق هذا العام؟ ما الذي سأصنعُه في جوانب حياتي المختلفة هذا العام .....
  • هل: كـ هل سأحصل على ما أرغب تحصيله في علاقاتي وصداقاتي؟ هل سأتزوج/أحمل/ أُسافر هذا العام ....
  • كيف: كـ كيف أخسر بعض الكيلوات من وزني؟ كيف أزيد من لياقتي؟ كيف أُحسِّن من مهارتي في..........

إلى غيرها من أسئلة نهاية العام التي يعقدُها الأشخاص استعداداً لاستقبال عام جديد وفصل مختلف من حياتهم. 


"لماذا" 

العجيب أن التساؤل الذي وجدته في أسئلة عز أو حتى في تساؤلات الأطفال اللاتي طالما واجهتها في عملي معهم كميسرة تفكير فلسفي P4C، تختلف جداً عن أسئلة الكبار السابقة المهمة. هذه الاختلافات قد تظهر بكل بساطة في نقطة جوهرية مفصلية، نجدها في كلمة واحدة فقط عند صياغة السؤال، مفردة واحدة من شأنها تغيير ما يصبو له السؤال حقاً، هذه المفردة هي أداة الاستفهام " لماذا".

 

فالطفل هو تماماً مثل الكبير.. يبحث.. ويريد شيئاً ما من سؤاله، إلا أننا نجد الطفل مجرد أن يسأل السؤال؛ سواءً تمت الإجابة عليه أم لم تحدث، يكاد يرضى وينتقل سريعاً لتساؤل آخر، على عكس "الكبير" الذي يضل يسأل السؤال نفسه.. وأحياناً لسنين.. وفي أغلب الأوقات يختار ديسمبر أو مواسم النهايات والبدايات أيً كان تقويمه.. ليسأل عن نفس الشيء أو حتى أشياء مختلفة في مرات.. إلا أنه يسأله بنفس الطريقة غالباً.. مُستخدِماً كافة أدوات الاستفهام الممكنة؛ كـ ماذا وما وكيف وهل، عدا أن يستخدم "لماذا" التي يستخدمها الطفل. وهاهنا قد نجِدُه يحصل مرات على إجابته، ومرات أكثر لا يحصل أو يُجاب أو يتحقق ما سأله أو سأل عنه، على عكس الطفل الذي تتحقق له الإجابة التي يصبو إليها وإن لم تُدرك من السؤال نفسه.


لماذا.. "لماذا"؟

وهاهنا يظهر الخيط الذي تراءى لي في استخدام الطفل لأداة الاستفهام "لماذا"، والتي قلما تخلو أسئلة الأطفال من الاستفسار بها، وذلك في إدراك ما يفعله الطفل بكامل الفطرة عند سؤاله بـ "لماذا"، وعلى عكس البالغ. 

فالطفل وإن اهتم وأثار فضولُه كيفية حدوث الأشياء أو تساءل عنها بذاتها وفي حقيقتِها، هو باستخدامه "لماذا" يتساءل حقاً عن أسبابها ومسبباتها. فـ "لماذا" أداة استفهام أساسية في اللغة العربية تُستخدم للسؤال عن السبب أو التعليل. وكأن الطفل بتساؤلاته؛ وإن لم يعي ذلك، يبحث فعلاً عن النية والمقصد من الأشياء.. "لماذا" هي تحدث؟ "لماذا" هي تُوجد؟ ما المقصد الذي تصبو إليه هذه الأشياء/الأمور التي يسأل عنها. 

وهنا نجد جوهرية وأهمية ما يفعله الطفل مقابل البالغ، فهو لا يتفكر في كيفية حصوله على الأشياء بالضرورة كما يفعل البالغ، وإنما الأسباب التي تستدعي حصولها فعلاً، مُحققاً بذلك نصف الشوط الذي سيقطعُه البالغ في محاولة حصوله أو حتى تصديق مدى حقيقة رغبته في حصول وتحقق هذه الأشياء.

فسؤال كـ (ماذا سأُحقق هذا العام؟ أو هل سأتزوج/أحمل/ أُسافر هذا العام؟ أو كيف أزيد من لياقتي؟)، مهما كان جيداً ومُهماً في طلب الأشياء والرغبة في تحقيقها، لن يكون بجودة وأهمية الأسئلة (لماذا أريد أن أحقق شيء هذا العام؟ أو لماذا أرغب بالزواج/الحمل/السفر هذا العام؟ أو لماذا أريد ان أزيد من لياقتي؟). 


لماذا (النية).. التي تصنعُ الحكاية

فـ "لماذا" في الأسئلة السابقة اختصرت الكثير من الإجابة أو السعي الذي تطلبُه الأسئلة الأخرى في تَحقُقِهَا. فعلى البداهة، معرفة أسباب حدوث الأشياء كفيلُ بتحقيق جزء كبير منها، أو بالأحرى معرفة هذه الأسباب هو في حقيقته الوقوف على النية التي سبقت حدوث هذا الشيء، فـ افتعلته وتسببته.

فالذي يسأل ("لماذا" أريد أن أحقق شيء هذا العام؟) سيعي تماماً نيته ومقصده من تحقيق شيء ما، وبالتالي معرفة الإجابة على سؤال (ماذا سأُحقق هذا العام؟ أو ما سيرغب في تحقيقه هذا العام؟)، فـ يعرف مدى جديته فعلاً أو مقدرته على تحقيقه، ودون حقاً أن يسأله أو يشرع في صياغة أسئلة الحصول عليه فـ نَيلِّه. وهاهنا يجد نفسه يكاد يصنع كافة أو معظم الحكاية، وفي مجرد سؤاله عن النية.

إنَّ الطفل لا يعلم ما النية حقاً، ولكنه في تلقائية أحاديثِه و"لماذات" أسئلته يبحث عنها، في حين نجد أن البالغ بأسئلته المهمة الخالية من الـ " لماذا" يبحث عن كل شيء إلا النية، متناسياً أو جاهلاً بـأن "الأعمال بالنيات، وأن لكل امرئٍ ما نوى". فـ حريٌ هاهنا على كل من يبحث ويسأل سؤالاً مهماً نهاية العام ألا يسأل فقط بـ ماذا وهل وكيف.. بل أن يسأل "لماذا" هو فعلاً يسأل؟ وما النية.. فـ العمل الذي سيحصل حقاً من سؤاله.



بقلم: أ. مشاعل النويصر





مُلحقات

  • P4C: Philosophy for Children

انظر:https://baseera.com.sa/%d9%85%d8%a7-%d9%87%d9%88-%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%83%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81%d9%89-p4c-%d8%9f/

  • (إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ ومن كانت هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينْكحُها فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليْهِ) حديث نبوي


خلاصة حكم المحدث : صحيح

الراوي : [عمر بن الخطاب] | المحدث : ابن تيمية | المصدر : مجموع الفتاوى | الصفحة أو الرقم 20/223:

| التخريج : أخرجه البخاري (1)، وأبو داود (2201) كلاهما بلفظه، ومسلم (1907) بلفظ مقارب.

مقالات مشابهه

هل يمكن أن نرى الحياة بالأسود والأبيض فقط؟

في النهار نرى كل الألوان بوضوح، لكن المدهش هو ما يحدث في الظلام أو الإضاءة الخافتة. لماذا رغم وجود الألوان… يبدو كل شيء...

حقيقــة الغضــب

هل الغضب مُشكلة أم ضرورة؟

مواسم الطَرح و الانفصال

لماذا تتساقط أوراق الأشجار في الخريف؟