حين طلبت مني رؤى كتابة مقال هذا الشهر كنت أفكر في مقطعٍ شاهدته منذ أسابيع وظل في ذهني، رجل يبين طريقة تكوّن الأودية وتحديدًا وادي Grand Canyon عبر القرون من خلال الرياح والرمال والمطر فقط. ظل هذا الشرح حيًا في مخيلتي وشعرت أن هناك درسًا أو رسالةً يجب أن أفك شفرتها، شعرت أنه يلامس شيئًا في حياتي ولم أعرف ما هو، ولكن حدسي يخبرني أن هناك رابط بين هذا المقال وبين الوادي الذي تشكل في مئات وآلاف السنين.
تهطل الأمطار على الرمال فتتحول إلى طين، ثم تسكب الرياح طبقةً أخرى من الرمال، ومن ثم يأتي المطر مجددًا فيحول الرمال إلى طينٍ مضغوط، وتتكرر هذه الدورة مرارًا وتكرارًا حتى تتجمع هذه الطبقات وتتماسك مكونةً قطعةً واحدةً صلبة تحت الأرض، تكونت بفعل تراكم الزمان والمادة، ثم تأتي عواصفٌ شديدة تكشفها، وأمطارٌ غزيرة تنحتها، فتُكوِّن واديًا يسرُّ الناظرين ويلجأ إليه المسافرون من الإنس والجن والطيور وسائر الحيوانات.
من الصعب فهم ما يفعله هذا الرجل في بداية المقطع، لم عساه يسكب ماءً في الصحراء؟
بعد ثوانٍ يتكون مجسمٌ مصغرٌ للوادي ويتضح فعله تمامًا ويقوم من حوله من السيّاح بالتصفيق له انبهارًا. فما بالك بالوادي الكبير الذي يعتبر أعجوبة من أعاجيب الطبيعة والذي يزوره الآلاف من أقاصي الأرض.
أجد تقاربًا شديدًا بين هذه الدورة ودورة تكوين الإنسان الذي يتكون ويتشكل وفقًا للظروف التي يمر بها، نعم تجعل منه شيئًا صلبًا ولكن للصلابة دورٌ مهمٌ في الطبيعة، مثل تثبيت الأشياء وتحمل قسوة العناصر. والصلابة بحد ذاتها لا تعني القسوة بل العكس، فنحن لا نستطيع الاتكاء على شيءٍ هش ونحتاج إلى الأساس الصلب، فما فائدة الوسادات بلا جدران تحمي من يسكن المنزل؟
لماذا إذًا هذه الدورة؟ لماذا لكل شيء مراحل؟ لم لا يخلق الله كل شيءٍ جاهزًا؟ لا أعلم الجواب الفاصل ولكنني أؤمن أن إحدى الأسباب أن لكل مرحلةٍ جمالٌ ودور، فإن خلق الله الثمرة كاملةً بدون مراحل لن نرى البذرة ولا الوردة ولا الأغصان والأوراق. لذلك المراحل مهمة، السهل والصعب منها، وكم من ألمٍ أدى إلى شكرٍ وامتنانٍ وتذوق لحلاوة الأشياء البسيطة والعادية واليومية وكم من ترفٍ أدى إلى الشعور بالاكتئاب والفراغ؟
أرى أن الكثير من البشر (وأنا أولهم) يسعون جاهدين في تجنب دورات الحياة الحتمية والتهرب منها قدر المستطاع، ورؤيتها كعيوب ونواقص. مثل حرصهم الشديد على تجنب علامات التقدم في السن، التي لا مفر منها. أو التململ من طول طريق العلم وعثراته، أو طريقٍ مجهولٍ ومخيف نحو حلمٍ أو هدف يسعون لتحقيقه.
أريد تسليط الضوء على ضرورة الترحيب بالمراحل والاستمتاع بالرحلة الطويلة بغض النظر عن النتائج والأهداف، ومن ضمن المراحل المهمة في مسيرة أي إنسان هي المراحل المؤلمة، كفترات الركود والحزن والعجز، نتيجة حدث معين في حياتك أو تغيرٍ هائلٍ بداخلك، خروجك عن المألوف ورغبتك في شق طريقٍ مختلف لنفسك أنت تجهله سيشعرك بالضياع والحيرة.
فإن كنت كاتبًا مثلي، تحب الكتابة ولكن يُضرِبُ قلمك من الحين إلى الآخر وتتساءل إذا كنت ستكتب شيئًا ذو معنى في يومٍ من الأيام أم لا. نصيحتي لي ولك: إن كنت تعلم ما تحب فتحمل صعوبة الطريق واستمتع بالرحلة ولا تنتظر الوصول!
وإن كنت تخرجت من كلية الحقوق ولكنك تحلم بمهنة في الفنون أو الطب أو كليهما فلا تنتظر أزمة منتصف العمر لتبدأ من جديد لأن هذا القرار وهذا المسار (وإن ندمت عليه وشعرت أنك أضعت سنين في سبيله) كان قدرك وجزءًا من رحلتك وهناك حكمة ربانية من كون طريقك يختلف عن طريق الآخرين…
فترات الركود والصراعات الداخلية مع الشغف والإبداع لا تعني أنك لا تفعل شيئًا، على الأغلب هناك عائقٌ بداخلك يجب أن تتحرر منه ليتدفق إبداعك وتأكد أن هذا العائق سيصقلك وهذه الرحلة ستعرفك على ذاتك. أنا مؤمنة بأنك مادمت تحلم فأنت تفعل شيئًا ذو قيمة…
"تحلَّ بالصبر تجاه كل ما لا يزال عالقًا بلا حل في قلبك. حاول أن تُحبَّ الأسئلة نفسها، كأنها غرفٌ موصدة، أو كتبٌ كُتبت بلغةٍ لا تعرفها. لا تبحث الآن عن الأجوبة؛ فهي لا يمكن أن تُمنح لك الآن، لأنك لم تعشها بعد. فالمسألة هي أن تعيش التجربة بكل ما فيها. في هذه المرحلة، كل ما عليك هو أن تعيش السؤال. ولعلّك، شيئًا فشيئًا، ومن دون أن تشعر، تجد نفسك ذات يومٍ بعيد تعيش الجواب." راينر ماريا ريلكه - نصائح إلى شاعر شاب…
أو كما قال أحمد مكي في أغنية دور بنفسك جوا نفسك:
" إنسان ما بترضى بحالك، دايمًا عاجبك حال الغير
مهما تكون حالتك دايمًا باصص للتغيير
صدقني لو بصيت جواك هتلاقي ياما كتير
قدرات، مميزات، إن كنت غني أو فقير…"
بداخل كل شخصٍ منا وادٍ، لم يظهر بعد لأنه إن ظهر قبل اكتماله فلن يكون إلا رملاً يطير مع الرياح.
بقلم: سلسبيلا الرحيلي