ChatGPT
منذ ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على كتابة النصوص ورسم الصور وتأليف الموسيقى، تصاعد سؤال يثير القلق والحماسة في آنٍ واحد: هل انتهى عصر الإبداع البشري؟ وهل أصبح الإنسان مهدداً بفقدان أكثر ما يميزه عن الآلة؟
قد يبدو المشهد لأول وهلة مقلقاً. فبضغطة زر يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب قصيدة، أو يصمم شعاراً، أو يؤلف قصة قصيرة، أو ينتج لوحة فنية خلال ثوانٍ معدودة. ما كان يتطلب ساعات أو أياماً من العمل أصبح يُنجز في لحظات. لذلك رأى البعض أن الإبداع قد تلقى ضربة قاضية، وأن الآلات بدأت تحل محل المبدعين.
لكن هذا الاستنتاج قد يكون متسرعاً.
فالذكاء الاصطناعي لا يبدع بالمعنى الإنساني للكلمة، بل يعيد تركيب ما تعلمه من ملايين الأعمال السابقة. إنه بارع في اكتشاف الأنماط والروابط وإعادة إنتاجها بطرق جديدة، لكنه لا يملك تجربة ذاتية، ولا ذاكرة شخصية، ولا أحلاماً، ولا خوفاً، ولا أملاً. إنه لا يعرف معنى أن يفقد إنسانٌ عزيزاً، أو أن يقع في الحب، أو أن يعيش حيرة وجودية. وهذه الخبرات هي الوقود الحقيقي لكثير من أشكال الإبداع البشري.
عندما نقرأ قصيدة لمحمود درويش أو نتأمل لوحة لفان غوخ أو نستمع إلى مقطوعة موسيقية خالدة، فإن ما يلامسنا ليس مجرد الكلمات أو الألوان أو الأصوات، بل الإنسان الكامن خلفها. نحن نتفاعل مع تجربة عاشها صاحب العمل، ومع رؤية خاصة للعالم تشكلت عبر حياته ومعاناته وأسئلته.
من هذا المنظور، لم يقتل الذكاء الاصطناعي الإبداع، بل أجبرنا على إعادة التفكير في معناه.
فإذا كان الإبداع يعني إنتاج شيء جديد فحسب، فإن الآلات أصبحت قادرة على المنافسة. أما إذا كان الإبداع يعني التعبير عن تجربة إنسانية فريدة، وصياغة معنى جديد للحياة والعالم، فإن الإنسان لا يزال يحتفظ بمكانة يصعب على الآلة بلوغها.
بل يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي قد يوسع آفاق الإبداع بدلاً من أن يقضي عليه. فكما لم تقتل الكاميرا فن الرسم، ولم يلغِ الحاسوب دور الكاتب، قد يصبح الذكاء الاصطناعي أداة جديدة تساعد المبدعين على استكشاف أفكار أكثر جرأة، وتجريب احتمالات لم تكن متاحة من قبل.
الخطر الحقيقي ربما لا يكمن في وجود الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في الطريقة التي نتعامل بها معه. فإذا تحول إلى بديل عن التفكير، فقد يضعف خيالنا وقدرتنا على الابتكار. أما إذا استخدمناه كشريك في البحث والتجريب والاكتشاف، فقد يصبح حافزاً لإبداع أكثر ثراءً واتساعاً.
لذلك فالسؤال الأهم ليس: هل قتل الذكاء الاصطناعي الإبداع؟
بل: ما الذي سيبقى من الإبداع إن توقف الإنسان عن التساؤل والتخيل والدهشة؟
فالآلة تستطيع أن تولد ألف فكرة، لكن الإنسان وحده هو من يستطيع أن يسأل: لماذا هذه الفكرة؟ وما معناها؟ ولماذا تستحق أن تُروى؟ وما دام الإنسان قادراً على طرح هذه الأسئلة، فإن الإبداع لا يزال حياً.
بداية المقالة.. حقيقةً
عزيزي القارئ سوف اُطلعك الآن على الحقيقة، إن كاتب ما سبق من هذه المقالة هو ChatGPT وذلك حين طلبت منه وحرفياً التالي: (اكتب لي مقالة عنوانها: هل قتل الذكاء الاصطناعي الإبداع حقاً؟)، وكان مُنتَجُه لهذا الأمر هو كل ما سبق من هذه المقالة.
وتعمدت عند البدء لكتابتي هذا المقال أن لا أقرأ كامل مقالتِه عن قصد، وذلك حتى اختبر حقيقة مقدرتي على كتابة مقالة كاملة أحاول فيها أن اُجيب على نفس التساؤل الذي عنون هذه المقالة، وذلك دون الاستعانة أو التأثر حقيقةً بما كتب ChatGPT أو جمع عن الموضوع.
إجابتي الأصيلة.. وقبل قراءة مقالة ChatGPT
عندما تسلمتُ الواجب الكتابي لمقالة هذا الشهر وعَلِمتُ أن المطلوب أن نكتب عن الذكاء الاصطناعي والإبداع، شعرت بدايةً بصعوبة واجبي لسببين: أولهما أن موضوع الإبداع عموماً ليس من اهتماماتي القرائية، ولستُ متضلعة في البحث عنه من ناحية فكرية تتثقفية مطلوبة عادةً، ومُساعِدة لأي كاتب. فالكتابة والمكتوب عادةً ما هو إلا ترجمة لأفكار الكاتب وما حمل وعائه الفكري من معلومات وأفكار ومعتقدات عن موضوعٍ ما. أما السبب الثاني فكان متجسداً حقاً في التساؤل التالي: كيف نهزم بطلً ما (الذكاء الاصطناعي) في أرضِه (الإبداع) وبين جمهوره؟ وكيف نختبر موضوع الإبداع حقاً ونحن نتحدث عن الذكاء الاصطناعي.. والذي هو في مخ نخاع حقيقته إبداع متجدد.. متبدل.. وغير منقطع النظير؟
وهنا صدقاً.. لم أجدني إلا سمحتُ لنفسي بخوض التجربة ومحاولة الكتابة عن موضوع الإبداع والذكاء الاصطناعي. وتدفقت البداية الفعلية حقاً عندما وجدتُ نفسي.. وبعد التفكر في الموضوع.. تقوم ومباشرةً بطرح التساؤلات التالية: هل قتل الذكاء الاصطناعي الإبداع حقاً؟ أم أنه ضحية ضعف الإنسان في استيعاب سعة الابداع فعلاً؟ أليس الذكاء الاصطناعي بحد ذاته أحد إبداعات الإنسان التي كانت.. ولن تزل؟ ولماذا استبق عقلي ربط العلاقة السلبية بين الإبداع والذكاء الاصطناعي، وأن الأول ينتهي أو يُقتل نتيجة الآخر؟
في الحقيقة إن الذكاء الاصطناعي لم يقتل الإبداع، إنما الإنسان حقاً هو الذي بإمكانه أن يقتل الإبداع متى صَدَقَّ هو ذلك، فحاك تساؤلاً عن موت الإبداع وربط هذا الموضوع بمسببات، سواءً كان الذكاء الاصطناعي منها أم لم يكن. وهاهنا.. إنَّ أهم ما على الإنسان أن يدركه حقيقةً هو ما يقبع خلف كُلِ ذلك.. مُتمثلاً في خَوفِه. نعم.. خَوفُه المتوقع المعتاد من أن يُستبدل هو ويتم الاستغناء عنه، وذلك بكلِ جديدٍ يُخلق ويُستحدث ويُصنع سواءً منه أو من غيره من عناصر عالَمِه، وأعني بالجديد هو كل ما وُجِد أو سيوجد من مُختَرعَات لمُساعدتِه والتحسين من جودة حياته. الجدير بالذكر.. أن الإنسان فعلاً ينسى أنه.. هو نفسُهُ.. من أحدث الجديد واستحَدَثَهُ، وصَنَعهُ ليُعينَهُ وينقُلَ حياتهُ نقلةً نوعيةً عظيمة من حيث الجودة والسرعة والسهولة.
وهاهنا تالله قُلَّ لي.. أنَّى للصَنعةِ أن تنقلب على صانِعها حقاً.. أو تَتَفوَقَّ.. فتَسبِقَهُ؟
لو حدث هذا فعلاً.. فإن الملُوم هو الإنسانُ نفسُه.. كَونُهُ نسي أنه مُبدعٌ بالطبيعة، وأن الآلة باختلافاتها على مر العصور؛ من أبسط ما صنع كالعجلة.. إلى محور حديثنا وأعجب ما توصل له حتى اللحظة.. الذكاء الاصطناعي، ماهي إلا حقيقةً نتاجُ عَبقريَتِه وإبداعِه. بل إن محاولة فهم واستيعاب سعة طبيعته الإبداعية يُهضم فعلاً عند محاولة حَدِّه وبَلورتِه بمُنتجَ إبداعي وحيد. مُنتج.. قد يظهر نهائي في عظمته أو لن يُصنع أو يُستحدث أَحسَنَ منه كالذكاء الاصطناعي، وذلك لأن بوصلة الإنسان الإبداعية في حقيقتها أوسع وأعقد بكثير من تَصوُرِه هو عنها.. أو من مجرد محاولتُه الوقوف عليها فعلاً واستيعاب حدودها.
إن ذلك يظهر جلياً لو نظرنا لنقطة اختلاف عظيمة في نقطة تشابه عجيبة بين الصانع وصَنعتِه، أي بين الإنسان وذكائهُ الاصطناعي الذي اخترَعهُ. فالذكاء الاصطناعي يتعلم ويُبدع ويُنتج كل ما اكتسب وغُذِّي بمزيدٍ من المعلومات، ومزيدٍ من التعرض والجمع والربط بين أوساط بيانية ضخمة. وكذلك الإنسان، فإنه يتعلم ويتسع ويُنتج، متى ما سعى فاجتهد وتعرَّف وتعرض لمزيد من المعارف والعلوم. الفرق العجيب.. أن الإنسان إضافةً لما سبق من وسائل يُقدِم عليها لاكتساب معلوماتِه واتساع معرِفَتِه، يكتسب ويتسع من التجارب.. تجارب حسية شعورية مبنية على حواسه المادية الخمس وتركيبَتِه وخِلقَتِه العظيمة، التي هو نفسُه لم يتوصل لكافة وعمق أسرارها. تجارب.. من ما لا تستطيُعهُ أو تستوعِبُه أيُّ آلة، إن لم يُغذِّيها هو بنتاجِ تجارُبِه وما جَربَتُّه واستوعبتُه كافة حواسِه، تلك التي لم ولن تمتلكها أيُّ آلة، وإن هي ظهرت في صورِ بَعضِّ حَواسِه من سمعٍ ونطق، ولم تصل حتى لتذوُقِه وشَمِّه ولَمسِّه، بل وحتى حَدسِّه وبَصيرَتِّه.. وما خُفي من بواطنه.. وعجيب نَفسِّه وإنسانيته.
قد يقول قائل.. إن المعلومات التي تُغَذِّي الذكاء الاصطناعي هي نتاجُ التجارب أيضاً.. تجاربُ الآلة نفسها في جمع المعلومات وربطها وتحليلها.. ومن ثَمَّ تجويدِّها مع كل أمرٍ جديد أو عملية جديدة بين الآلة وصانعها، وهو في ذلك مُحِقّ ولا خلاف، بل إن الإبداع والتشابه بينهما يتجلى في ذلك أيضاً. ولكن الفرق الدقيق بين تجارب الآلة وتجارب الإنسان أن المعلومات التي يكتسبُها الإنسان معلومات أكثر أصالة وتفرد وتجدد، كونها مُكتسبة ومتعلقة بالحس والاحساس والمشاعر والتجارب الحسية المادية.. التي لا تنفك تتجدد.. ويتفرد بها الإنسان عن الآلة. في حين أن الذي يُغَذِّي الآلة أصلاً بالمعلومات هو الإنسان نفسُه، وهو القادر على تحديد وتقنين هذه المعلومات ورسمها بطريقة تُناسِبُه، سواءً خاف فحدَدَّ وقَنَّنَ وحَدَّ من صلاحيات الآلة في التَغذي، أو تَشجَّع وارتاح فوسَّع من التغذية وعمَّقها. كذلك.. إنَّ منتجات الآلة مهما كانت عظيمة ومذهلة ومُبدعة في جودَتهِا، لا بدَّ وتخلو من روح الإنسان ولغته الأدبية الإبداعية والمتفردة، والتي من السهل جداً رصدُها واستيعابُها في العلوم التجريدية والفنون كالنحت والرسم والكتابة والموسيقى...إلخ.
إن كل ما سبق.. يُحتم علينا تغيير التساؤل الذي عَنوَنَّ هذه المقالة.. من تساؤل جذرُه خَوف وخِشية في غيرِ موضِعهَا.. إلى تساؤل يُحرِكُه الحرص والتَّنبُه لمباطن الخَشية الفعلية من الذكاء الاصطناعي، وما يمكن أن يفعلُه في إبداع الإنسان. كـ أن نقول:
كيف يُجدد ويحافظ الإنسان على حسه الإبداعي في عالم يكاد يحكُمُه الذكاء الاصطناعي؟
إن تطرُف الإنسان في الاعتماد والاتكال على الذكاء الاصطناعي.. وعلى وجه الخصوص.. في مواطن الاختراع والإبداع واحتراف الصنعة.. هو الذي من شأنه فعلاً أن يُعرِضَّ إبداع الإنسان للخطر، ويُعرِضَّ قُدرَته على الاختراع والخَلق وإنتاج الجديد والمتفرد إلى الوهن والضعف والعجز. إنَّ ذلك يحدث كونُهُ عَرَضَّ هذه المَلَكة.. مَلَكة التفكير والخَلق والصناعة.. للتصدي والتَعفُن في عدم استخدامها وتفعيلها، كونُهُ يسمح للآلة بأن تقوم بمهام أوسع من ما خُلِقَت له (مهام المساعدة وتسهيل وتجويد الحياة)، أي اعتمادُه على الآلة كوسيلة تُفَكِر عنه وتكاد تقود كافة جوانب حياته.. حتى الجوانب الخلَّاقة والإبداعية العجيبة التي يتفرد بها.
إن مجرد إدراك الإنسان لذلك، مع ما ذكرنا سابقاً من استيعابِه وإدراكِه لقُوتِه الإبداعية وأنهُ يملُك اليدُ العُليا في معادلة الذكاء الاصطناعي والإبداع، يجعلُه كفيل بالإجابة على تساؤلنا الأخير وضبط كافة إحداثيات العملية التفاعلية وديناميكية تجربته مع الآلة، وذلك في حياة.. ومن المتوقع.. وعلى ما يظهر.. لم ولن تستغني عن الآلة والذكاء الاصطناعي على الكُلية.
بعد قراءة مقالة ChatGPT
عندما تأكدت أنِّي فعلاً جمعتُ كافة أفكاري حول الموضوع وكتبتُها في المقالة، حينها فقط سمحتُ لنفسي بقراءة مقالة ChatGPT. وهاهنا حقيقةً اُعجبت بما كتب، وكذلك تعجبت.. كيف أن الآلة نفسها.. قد جمعت وحلَّلَت وخَلُصتَ إلى رأي يتقاطع كثيراً مع ما خَلُصتُ له.. فكَتبتُ عنه، وذلك في محاولة الإجابة على تساؤل المقالة، ولا عجب في ذلك أيضاً.. حيث أنها وكما ذكرنا تجمعُ وتُحلَّلُ ما هو بالأصل معلوماتُ الانسان وخلاصةُ تجارُبِه التي غذَّاها بها.
رُغم ذلك.. إن ما سبق جعلني لا أملك إلا أن اتساءل.. "التساؤل" الذي هو نقطة قوتي كما صرح وادعىChatGPT في مقالتِه التي سبقت مقالتي.. تساؤل أخير.. اختم به المقالة:
هل من الممكن أن يَتَكِّل الإنسان ويتقاعس.. ليس فقط عن محاولة الإبداع.. بل حتى عن "التساؤل" الذي من شأنه أن يحفظ له حق الإبداع والاختراع والتفوق.. ذاك الحق الذي مُتِّع وحَظي هو به.. من الخالق المبدع رب الأكوان.. وذلك عن سائر المخلوقات.. وبما فيهم مُختَرَعَهُ الأعجب.. الذكاء الاصطناعي؟ هل من الممكن أن يؤول حالُه لذلك.. حقاً؟
بقلم: مشاعل النويصر