على ضوء ما نرى.. نبدأ
قد يوحي التساؤل الذي عَنّون هذه المقالة عن بحثه لإجابة مجازية مُتعلقة بالمعنى في رؤيتنا للحياة، إلا أن السؤال لم يُحاك حقيقةً إلا بحثاً عن إجابة حرفية مُتعلقة بحقيقة رؤيتنا للألوان، وآلية عمل ذلك في أنظمتنا الجسدية.
قد لا يخفى على جمعٍ من الناس أن قرنية أعيننا فعلاً لا ترى أي لونٍ أو شكل، وإنما تلقُط انعكاس الموجات الطولية لضوء الأشياء التي نراها، بحيث يتم توجيه هذه الموجات الضوئية لبقية أجزاء العين، أي طبقة الخلايا العصبية التي تقع في قاع شبكية العين. لتقوم هذه الخلايا تالياً بنقل ما تم التقاطُه للدماغ، فيتم هناك ترجمة هذه الموجات الضوئية إلى صور، أو ما نراه ونصِفُه حقيقةً على أنهُ أشكال وألوان.
من أجل ذلك واستناداً لما سبق؛ مع استثناء حالات اضطراب الرؤية كحالات العمى وعمى الألوان، نحنُ حقيقةً وحرفياً لا نرى أو لن نستطيع فعلاً أن نرى الحياة بالأسود والأبيض فقط.
فإذاً: كيف نجحت السينما قديماً في نقل صورة ملونة فعلاً؛ وفي واقعها الخارجي وبكافة ألوانها حين الالتقاط، إلى صورة رمادية يراها المُشاهد باللون الأبيض والأسود وتدرُجاتِه فقط؟
في الظلام.. كُل شيءٍ حالك
يساعدنا في الإجابة على التساؤل السابق هو فهمنا للرؤية الليلية وما يحدث أو تفعلُه أعيننا حقيقةً حين تعرُضها للظلام مقابل النور. فنفسُ الصورة الملونة التي نراها في وضح النهار بكافة ألوانها، تُصبح ليلاً صورة قاتمة حالكة، كأنما نُزعت منها ألوانها وتدرجت في الرمادي قسراً. في حين أن ما حدث حقاً، قد حدث من نفس الجهاز (العين) أو في نفس الجهاز الذي التقط كافة الألوان وهو هو في نفسِ حاله، ولم يطرأ عليه أي عرض أو تغييرٍ داخلي فسيولوجي.
يُفسر ذلك ما يُعرف بالمخاريط والنبابيت من تركيبة خلايا العين، وهي نوعين مختلفين من الخلايا التي تستجيب للضوء في شبكية العين وتقوم بالتقاطِه، وهي عبارة خلايا مُستقبلِة للصور تعمل نتيجة حساسيتها للضوء.
يبدأ عمل المخاريط في الأماكن والبيئات ذات الإضاءة القوية، حيثُ تملُك المخاريط القدرة على استقبال عدد كبير من الحزم الضوئية المختلفة، والتي تُمكن الإنسان من استيعاب أشكال عدة وألوان عديدة متشعبة في اللحظة، وهو تماماً ما عرجنا على ذكره في مقدمتنا.
مع ذلك، فإن المثير للاهتمام حقاً هو ما يحدث في الظلام، أو في البيئات ذات الإضاءة القليلة. فلماذا إذاً في الظلام.. ورُغم حقيقة تلَوُنِّه.. يبدو كل شيءٍ فيه حقاً.. حالِّك؟
يُفسر ذلك ضيق الحزم الضوئية ونُدرَتِها في هذه الأماكن (شبه انعدام الضوء)، والذي لا يُمَكِّن المخاريط من العمل بفعالية لما صُمِمَّت له، لذلك يكون من الصعب رؤية الألوان أو تفرِقَتِها بوضوح في الظلام. وهاهنا نجد النبابيت تتقدم فتقوم بواجبها على أكمل وجه، وذلك في التقاط الحزم الضوئية الضيقة القليلة في الظلام، ومن ثَمَّ تُترجم ألوان الصورة التي كنا نراها مُسبقاً بكافة ألوانها إلى لون واحد فقط ذو تدرجات رمادية، وذلك حتى يسهل تكيف العين معهُ حقاً، فنراه بوضوح رُغم الظلام وحِلكَتِّه.
نظام أُحادي اللون
إن آلية عمل أعيينا في الظلام ونظام الرؤية الليلية الذي شرحناه مسبقاً، هو الذي يُجيب عن حقيقة نجاح السينما في عرض صورة تحمل الأسود والأبيض فقط مع تدرجات الرمادي، وذلك عن صورة في أصلها متعددة ومتشعبة الألوان.
فأدوات التصوير القديمة كانت تعتمد على نظام تصوير أحادي اللون اُستَلهِمَّ تصميمُه من آلية عمل العين في الظلام. يقوم هذا النظام بالتقاط ضوء أُحادي اللون ذو موجة واحدة أو ذو حزمة ضوئية ضيقة (لون واحد فقط). يكون هذا اللون عادةً لون رئيسي واحد يُبنى عليه كامل النظام، بحيث يُضاف إليه اللون الأبيض لجعله أفتح، مُكِوناً ما يُعرف بالصبغة من تركيبات هذا النظام. فيما يتشكل جزءٌ آخر من النظام يُعرف بالظلال، بإضافة اللون الأسود على اللون الرئيسي ليجعله أكثر قتامة. ليتبقى لنا جُزء النغمة، والذي يلجأ النظام فيه حقيقةً إلى اللون الرمادي ليُخفف ويقلل من شدة وقتامة ألوان ما حدث مُسبقاً في الظلال.
النغمة في الإدراك البصري
إن النظام العبقري الذي بُنيت عليه العين من التقاط المخاريط لملايين الحزم الضوئية في وضح النهار، إلى النظام أحادي اللون الذي يمكننا من الإبصار في الظلام، نظام عظيم حقاً، إلا أنه نظام لن تقوم له قائمة في الحقيقة دون فهمنا واستيعابنا لما يُعرف بالإدراك البصري.
فسواءً أننا أبصرنا نهاراً أو ليلاً، تجاربنا البصرية السابقة مع الأشياء لا يُمكن إلا أن تؤثر في قابلية استقبالنا لحقيقة هذه الأشياء وألوانها وأشكالها. فنجد هذا الإدراك؛ وبناءً على هذه التجارب، يضمن ثبات شكل ولون أي شيء في الذاكرة من غير أي تغيير عادةً وعلى الرُغم من اختلاف نوعية الإضاءة أثناء إعادة رؤيته. فمثلاً لو أننا وجهنا ضوء أصفر ساطع على تفاحة حمراء، من المرجح جداً أننا سنظل مُدركين لحقيقة أنَّ لونها أحمر رغم انعكاس الضوء الأصفر عنها لأعيُننا.
إن المتأمل في صنعة الخالق الإبداعية لجميع ما سبق؛ متمثلة في الانسان وآلية عمل عينه إلى مقدرتِه هو نفسهُ على صنع نظام تصوير يحاكي عينهُ، لا يملك إلا أن يدرك بعداً آخر فيما سبق. بُعداً عميقاً لكنهُ مجازي، يبعد كل البعد عن المعنى الحرفي الذي كنا لم نزل نستقصيه في بحثنا عن آلية عمل العين وحقيقة ما نُبصر.
فالإدراك البصري متمثلاً في حقيقة تأثر رؤيتنا بما سبق وتعرضَّنا له، يجعلنا نَعي أن حُكمَنا على الصور مهما خَضَع لآلية عمل العين وحقيقة ما تلتقط في اللحظة، حتماً سيحمل جزء من صبغة (بياض) وظلال (سواد) ما أدركناه من صور مسبقة عن الأشياء وأشكالها وألوانها.
مما يجعلنا نخلُص ونتفكر في النغمة (الرمادية) التي قد نُسقِطها؛ أو يلزم أن نُسقِطها أحياناً، على صور ما نرى حقيقةً؛ وعينا بذلك أم لم نعي، وكلُ ذلك حتى نُخفف من شدة وقتامة ما نرى، أو علّهُ حتى نرى الحياةَ حقيقةً بكافةِ ألوانها وأطيافها، فنتجنب حقاً أن نراها بالأسود والأبيض فقط.
بقلم: أ. مشاعل النويصر
مراجع
كيف نرى الألوان؟
ألوان أحادية اللون