عزمتُ أنْ أطَأَ موطِئًا شُجاعًا عندَ كِتابةِ هذا المقال عن الذاكرة وقوّة السرد القصصي، فمنذُ بدأتُ الكِتابة وأنا أشمّ رائِحة جدتي نور (رحمةُ الله عليها) وشطيرَة الجُبنِ الُمحضّرة بحنان معَ كوبِ الشاي المُحلّّى، فقد كانَت إحدى وجباتي المفضّلة صباحًا مع أخي عادل.
عنْ ما وراءِ الذاكرة ..
في بيتٍ يسكُنُه مجموعة مِن الإِخوة، وبينَ مجموعة مِن الأصدقاء وبين فريق العمل الواحد، ثمّة دائمًا مواقِفٌ مُشتركة تجمعُ بينهم، لتتحوّل إلى ذكرياتٍ محمولةً على متنِ الذاكرة.
قِصصٌ تُروى، أصواتِ ضَحِكاتٍ تتَعالى، وتعابيرِ أوجٍه متغيّرة، فلكلً منّا ذاكرة، ولكلّ ذكرى رِواية تختلفُ مِن شخصٍ لآخر باختلاف قوّة الذاكرة، والاهتمامِ بالتفاصيل، ومشاعرِ الإنسان حينها وحالته النفسيّة العامة، لنَجِد أنّ الذاكِرة هيَ مجموع خِبرةٍ مُتراكِمة، ونِتاجِ سَنواتٍ وخَلوات، ومحصّلة سلوكنا التّفاعلي مع أنفُسنا والآخرين وأساليب تكيّفنا العاطفي معَ مُجرياتِ الحياة، فالعلاقة بينَ الذاكِرة وبينَ هويّة الإنسان هي علاقة باتّجاهين، مابينَ فِهم الماضي وصياغَةِ الحاضِر.
ماهي هويّتك الشخصية اليوم بين ماضٍ مؤلم وذكرياتٍ جميلة؟
يتطلّب التعامُل معَ الذكريات المؤلمة قدر كبير مِن الوعي، المرونة النفسيّة والنّضج العاطفي، كما ذَكرت المعالِجة النفسيّة د.هبة حريري إلى ضرورة التعامُل مع هذهِ الذكريات بفهم ورحمة وعدالة حتى يسير التعافي منها بمسارِه الصحيح، الأمر الذي يتضمّن فِهم للموقف وظروفِه حينها، رحمة للنفس وللآخرين، وعدالة في التعامل مع أثَر هذهِ الخبرات تجاه أنفسنا ومن حولنا.
صندوق الذكريات الجميلة ..
كانت إحدَى أمنياتي بعدَ العودة ِمن رحلةٍ إلى القارّةِ السمراء أنْ أحظَى بصندوق للمشاعر الجميلة التي عشتها هناك لاستخدامها متى ما احتجتُ إليها، لتبرُز هنا أهميّة صناعة الذكريات الجميلة والاحتفاظ بها في الذاكرة واستخدامها كأدوات تمكين عاطفيّة ونفسيّة في صياغةِ الحاضر.
ووِفق نموذج PERMA الذي طوّره عالم النفس مارتن سيليغمان، يُمكِن إدراج الذكريات الجميلة كمحفّزات وعوامِل هامّة في الصحّة والرفاه النفسي للإنسان إذا ما تمّ تفعيلها واستخدامها بوعي من خلال تعزيز 5 محاور أساسية تتضمّن الآتي:
1- المشاعر الإيجابية: الكثير من الذكريات تحمِل المشاعر الإيجابية بالرغم من مرور سنواتٍ طوال، الأمر الذي يعززّ الصحة النفسية للفرد في حاضِره، فكم من ابتسامة وضحكة في خلوتنا لذكرى مضى عليها وقتٌ طويل.
2- الاندماج والتفاعُل مع الحاضِر: يكون ذلك مِن خلال اتّصال المرء بجذورِه وتذكيرِه بأصالته وهويّته الشخصية في حاضِره.
3- العلاقات: عندما نحنّ للماضي لأشخاص عشنا معهم العديد من الذكريات يدفعنا ذلك لوصلهم وصلتهم وفاءً لجميلٍ كان بيننا.
4- المعنى والغاية: تساعد الذكريات في تذكير الإنسان بالمعنى والغاية في الحياة.
5- الشعور بالإنجاز: عندما نلتقي بأصدقاءِ الطفولة والدراسة وزملاءِ العمل نتذكّر أنفسنا في الماضي وما أصبحنا عليه اليوم، وهي من أرقى المقارنَات في الحياة فهمًا وحُبًا وتعلّمًا ومقياسًا لتطوّر النفس البشرية.
وكل ما ازددنا تأملاً سنجد أنّ الذاكِرة نِعمة، وفي الكثيرِ من الذكرياتِ نعيم، وطريقة سردك لقصّتك اليوم هي العلامة الفارِقة بين الاستغراق في الماضي وصياغةِ الحاضرِ.
بقلم: أ. إيمان الحريبي