ما تَحكِيِه الأسماءُ وتَصِفُه
اسمي مشاعل، اسم عربِّي مُتجذر من مفهوم ومعنى "الاشتعال"، ولن اُسهب هنا واحكي عن اسمي لغوياً واشتقاقاته، وإنما ذكرتُه لاستفتح لك مقالتي بما أوصلني فعلاً لما جئتُ أحكيه هنا. فأنا لطالما تأملت في اسمي وتساءلتُ عنه من جوانب عديدة، أهمها.. لماذا سُميتُ به؟
فنحنُ لا نختارُ اسماءنا، وإنما نكبر وننضُج ونحن نُدعى ونُنادى بها. وكذلك قد نكون نعلم "لماذا" دُعينا بها؛ وفيما أدعُوه الأسباب "الظاهرة" للتسمية، مثل: أمي اسمتني به كونهُ أعجبها واستأنست معناه.. أبي اسماني إياه لأنه اسم جدتي.. خالتي أسمتني إياه لكذا وكذا.. إلى غيرها من أسباب اختيار أدعياءنا أو من سمَّانا لأسمائنا. وهاهنا تساؤلي السابق وإن بدأ من التساؤل عن الأسباب الظاهرة، إلا أنهُ تعداها إلى التساؤل:
لماذا "أنا" سُميتُ بـ "مشاعل".. دوناً عن الأسماء الأخرى.. وما الذي يَحكِيه هذا الاسم "عني" حقيقةً؟
فالأسماء.. في حقيقتها "حكاية" لمُسمياتها أو بالأحرى "وصفُ" يحكي.. وباختصار شديد وفي كلمة واحدة.. معاني كبيرة ودقيقة عن الموصوف. فلو قلت لك مثلاً أني رأيتُ "شجرة"، ستعلم تماماً أني أصف كائن حيّ من فئة النباتات يقوم على ساق كبيرة، وله فروع وأوراق عديدة، إلى غيرها من الصفات "الظاهرة" للشجرة كما تعلُمُها.
رغم أهمية ما سبق للإنسان، وفي كونه وبالأسماء المجردة فقط؛ ودون السبر في عمق معانيها، يعرف الأشياء ويفرقها، إلا أن معرفة لماذا سُميت الشجرة بـ "شجرة"؛ وليس مثلاً بـ "كرسي"، لهُ وقع مختلف بحقيقة معرفتها في النفس.
فـ "شجرة" في اللغة؛ وبالعودة إلى اشتقاقاتها كـ "شجر" و"تشاجر"؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر، تُشير إلى "التشابك/التنازع/التداخل". وهاهنا نَتَنَبه إلى التعبير الدقيق في وصف "الشجرة"، كونها تتركب من أطراف تتشابك وتتداخل (الأغصان والأوراق).. وأحياناً حتى تتنازع في تكوينها (الجذور). العجيب أن هذا الوصف الدقيق ليس المعنى الوحيد الذي ستخرج به من التأمل في كلمة "شجرة"، بل حتى اختيار الأحرف (ش،ج،ر) ومخارج نُطقها له أهميته في دقة وصف الموصوف والمعنى أو المعاني التي يُشير إليها الاسم، وهذا بحدّ ذاته مبحث آخر كبير من مباحث اللغة ولمُتخصصيها.
أسماءُ الأشياء.. وحقيقة معرفتها
إن ما سبق لا يملك إلا أن يجعلنا نتفكر في مدى حقيقة معرفتنا بالأشياء في أنفسنا، وهل حقيقةً نحنُ نعرفها من مجرد معرفتنا بما تُدعى (أسمائها) أو معرفة الأسباب الظاهرة لتسميتها. وقد يتساءل سائلٌ هنا: هل من المهم حقيقةً أن اعرف معنى "التشابك أو التداخل" من تسمية الشجرة بذلك؟ ألا يكفيني ان أعرف أن "شجرة" هي الكلمة أو الاسم الذي يجعلني أُفرق هذا الكائن عن غيره من الأشياء أو الكائنات؟ أو من المهم حقاً أن أعرف معاني الأسماء أم أنه يكفي معرفتها فقط كما هيَّ (أسماء مجردة) وأن أعرف ما تُشير إليه؟
إن الإجابة البديهية لما سبق هو في الإجابة على تساؤل آخر دقيق، وهو في:
ما مدى "رغبتك" في معرفة الشيء حقيقةً؟ وما مدى "أهمية" معرفتك بهذا الشيء حقاً؟
فقد يكون فعلاً ليس من المهم بتاتاً أن تعرف أي معنى لما أَشرتَ له بالاسم، ويكفيك فقط أن تَعرِفَ اسمه لتُشير له وتُفَرُقُه عن غيرِه من الأشياء. إلا أنَّ الشيء الذي ترغب فعلاً في معرفته أو تكوين نوعاً ما من العلاقة معه قد لا يكفيك بتاتاً مجرد معرفتك فقط باسمه، وهنا يبرز أمامي مثال لطالما استحضرته لإدراك أهمية هذه المعرفة.
فعندما يرغب شخصٍ ما الزواج أو العمل في مكانٍ ما.. هل يكفي معرفة اسمه أو ما يُدعى به فقط لتزوجيه أو توظيفه؟ بل نجد أن معرفة صفات الشخص تتعدى حتى ضرورة معرفة معنى اسمه، إلى معرفة تفاصيل أخرى تَصِفُه وتَصِفُ جوانب عديدة من شخصيته أو ما قد يَتَطلَبُه من صفات ليحصل الارتباط معه أو توظيفه.
كيف تُحِبّ ما لا تَعرِف؟
قد يتوقف قارئ مقالتي هنا ويتساءل عن عنوانها.. ليَعِّي أني وحتى هذا السطر لم اذكر شيء عن أسماء الله وصفاتِه، أو أجيب عن التساؤل الأسبق الأكبر والذي عنَّونَ هذا المقال.
ولأحكي الحقيقة.. إن الحديث عن أسماء الله وصفاته مقامٌ عظيم وكبير لا أجدني اقومُهُ أو حتى أُشرَّفَّ وأَنهَل من العلم والمعرفة ما يكفي أن يجعلُني أهلاً لأكتُب عنه. بل إن الموروث الإسلامي.. بجميع ما ورد في القرآن الكريم وسنة المصطفى عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم إلى من تَبِعّهُ بصدق النية والتزكي وحسن البحث والعمل من التابعين الأولين والآخِرِين.. ثري وغني وكفيل بتعريف كل باحث ومهتم عن أسماء الله وصفاتِه، وذلك من مجرد تِعدَادَها ومعرفتها إلى السبر في عمق معانيها ومقاصِدِها. أما مقالي هذا وبجميع ما سبق من تقديم عن الأسماء وأهميتِها.. فأنا أصبو فيه إلى مشاركة إحدى تأمُلاتي الخاصة البسيطة والمتعلقة بأسماء الله وصفاتِه بصورة عامة جامعة.
فلو رجعنا لأقسام التوحيد عند أهل السنة والجماعة، لوجدناها تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية استقراءً للكتاب والسنة، وهي: توحيد الربوبية) إفراد الله بأفعاله كالخلق والرزق (، توحيد الألوهية (إفراد الله بأفعال العباد كالعبادة والدعاء)، وتوحيد الأسماء والصفات (إثبات ما أثبته الله لنفسه أو رسوله من صفات دون تشبيه أو تعطيل).
إن المتفكر في هذا التقسيم لا يملك إلا أن يَعِّي الأهمية من تخصيص موضوعٍ ما بالتوحيد، وأنه على قدر من الشأن جعله مرتبط مباشرةً بعقيدة المرء حول ربِهِ ومعبودِه الواحد. فلماذا إذاً الإيمان بأسماء الله وصفاتِه في الإسلام أمرٌ واجب؟ ولماذا نُوحِدُه في اسماءه وصفاتِه كما وردت عنه؟ بل.. لماذا أخبرنا الله عن أسماءه وصفاتِه حقاً وعَرفَّنا بها؟
إن المتأمل في مثالي السابق؛ ولله ربي العظيم جلًّ في عَلَّياِهِ المَثَلُ الأعلى، سيَجِدُ أن الذي استدعى الزواج من شخصٍ ما ليست ضرورة "معرفته" على وجه التحديد حقاً وكما ذكرنا سابقاً. بل إن جذر طلب هذه "المعرفة" وضرورتها هو حقيقة "الرغبة" أو "الحاجة" إلى تكوين علاقة معه، أو الرغبة/الحاجة الغريزية المتأصلة في تركيبة الإنسان إلى الأُلفة والمحبة.. إعطاءها وتبادُلها.. فيما يُكَوِنُه أو يحتاجُه من علاقات. فـ لذلك.. هل يستطيع الإنسان أن يُكَوِّن علاقة طيبة ومُرضية مع ما لا يُحِبُه ويألفُه؟ وهل من الممكن أن يُحِبَ الإنسان أمرً ما حقاً.. وهو لا يَعرِفُه.. أو يألفُ أمرً ما فعلاً.. وهو لا يَفهَمُه؟
وهاهنا نَجِدُ مَربِطَ الفرس من حديثنا عن الأسماء في مَطلَعِ المقال وعلاقتُه مع التساؤل الذي عنّونه. فعلاقة المرء مع ربه أو ما يعبُده هي أساسُ كُلِ العلاقات، وهي علاقة فُطِّرَ الإنسان عليها منذ بداية خَلقِه وخروجهِ للدنيا، وإن غاب عنه إدراك أهميتها في مُستَهلِ عُمرِه أو باقِيه وعلى مختلف الأسباب. وهي علاقة تُدرك من مجرد وقوف العبد بين يديه مُصلياً خمسُ مراتٍ في اليوم، إلى عبادتِه بأوسع اشكال العبادة (شُهودِه في السمع والبصر والفؤاد). ولذلك.. حريٌ على هذا العبد الواقف للصلاة ملبياً لأمر معبُودِه أن يسأل.. هل أعرف حقاً هذا المعبُود؟ وعلى أيِّ الأُسُسِ تَتَشكلُ علاقتي معه؟ وهل أُحبُهُ فعلاً وأُحب هذا الوقوف.. أم أعبُدُه لمُجردِ الوجوب؟ وهاهنا.. وليستطيع العبد أن يُجيبَ على ما سبق، لابد له من وسيلة يعرف بها هذا المعبُود وما يَتَصِفُ به، فيُحِبُه ويُحسِنُ حُبَّ عبادتِه.
إن سعة محبة الله لعباده تتجلى حقيقةً في تعريفه بأسمائه وصفاتِه، وما أثبته لنفسِه منها وعلى لسان رُسلِه ووحيِّه. فالمُتفكر في الكون يُبصر عظمة الصانع والخالق في كل شيء، وتكاد عينيه لا تقع على شيء إلا وأثر اللهُ فيه. إن معرفة خالق هذا الكون العظيم وإن تحققت من مجرد شُهودِه في أقطار السماواتِ والأرض، بل وفي أسبار النفوس وغوائِلِها، لا يملك إلا أن يُدرك أنه وبعقل الإنسان وحقيقة محدوديته فقط يُحال أن يعرف الإنسان الذات الإلهية في حقيقتها أو يدركها فعلاً.. ولو بمجرد التفكر والتأمل. لذلك، معرفةُ خالق الأكوان بأسماءٍ وصفاتٍ عديدة وعظيمة، منها ما يَخُص معنى "الجلال" (القهار، الجبار...) ومنها ما يَخُصُ معنى "الجمال" (اللطيف، الودود...)، لا يملك إلا أن يُوَسِّع من مدارك الإنسان في معرفةِ وفهم خالقه ومُوجِدِه، فلا يكادُ يُفتح عليه في معرفة اسمٍ أو صفة حتى يَجِدُ نفسَهُ من أهلِهِ وخاصِتِّه.. وممن خَصَّهم بلذيذِ قُربِه.. فـ عظيمِ مَحَبَتِه، جعلنا الله وإياكم ومن تُحبون منهم.. إنه وليُّ ذلك.. والقادر عليه.. جلًّ في عَلَّياِهِ.
الكاتبة: مشاعل النويصر